الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

124

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يا صاحبيّ ألا لا حيّ بالوادي * إلّا عبيد قعود بين أذواد هل تنظران قليلا ريث غفلتهم * أو تعدوان فإنّ الريح للعادي « 1 » وقال الحريري ، في ديباجة « المقامات » : « قد جرى ببعض أندية الأدب الذي ركدت في هذا العصر ريحه » . والمعنى : وتزول قوتكم ونفوذ أمركم ، وذلك لأنّ التنازع يفضي إلى التفرّق ، وهو يوهن أمر الأمّة ، كما تقدّم في معنى الفشل . ثم أمرهم اللّه بشيء يعمّ نفعه المرء في نفسه وفي علاقته مع أصحابه ، ويسهل عليهم الأمور الأربعة ، التي أمروا بها آنفا في قوله : فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً وفي قوله : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا الآية . ألا وهو الصبر ، فقال : وَاصْبِرُوا لأنّ الصبر هو تحمّل المكروه ، وما هو شديد على النفس ، وتلك المأمورات كلّها تحتاج إلى تحمّل المكاره ، فالصبر يجمع تحمّل الشدائد والمصاعب ، ولذلك كان قوله : وَاصْبِرُوا بمنزلة التذييل . وقوله : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ إيماء إلى منفعة للصبر إلهية ، وهي إعانة اللّه لمن صبر امتثالا لأمره ، وهذا مشاهد في تصرفات الحياة كلها . وجملة إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ قائمة مقام التعليل للأمر ، لأنّ حرف التأكيد في مثل هذا قائم مقام فاء التفريع ، كما تقدّم في مواضع . [ 47 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 47 ] وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 47 ) جملة : وَلا تَكُونُوا معطوفة على وَلا تَنازَعُوا [ الأنفال : 46 ] عطف نهي على نهي . ويصحّ أن تكون معطوفة على جملة فَاثْبُتُوا [ الأنفال : 45 ] عطف نهي على أمر ، إكمالا لأسباب النجاح والفوز عند اللقاء ، بأن يتلبسوا بما يدنيهم من النصر ، وأن يتجنّبوا

--> ( 1 ) تنظران من النظرة ، أي الانتظار . والمعنى هل تترقبان ساعة غفلة العبيد فتختلسا الذود أو تعدوان على العبيد غصبا .